تم إنتاج هذه القصة في إطار زمالة الصحفية النسوية، وهي جزء من سلسلة تسلط الضوء على عمل زميلاتنا، طُورت بالتعاون مع مجلة ما انحكت ونور.
يومًا بعد يوم، تتحول أنماط الكراهية ضد أفراد مجتمع الكوير في مصر تحديدًا، وفي شمال أفريقيا وغرب آسيا عمومًا، إلى ما يشبه نظامًا متكاملاً.
أمام من يتعرضون لهذه الكراهية ثلاثة خيارات لا رابع لها: إخفاء هويتهم الجندرية أو الجنسية؛ أو الإعلان عنها، وتحمّل ما يترتب على ذلك من تهديدات وإهانات وكراهية من المتدينين والمحافظين؛ أو الانسحاب من الحياة الرقمية، سواء بتقليص حضورهم أو بمغادرتها نهائيًا.
هل ما يحدث لمجتمع الميم في مصر حملة منظمة، أم مجرد قسوة اعتيادية لمجتمع معادٍ، تتكرر على نطاق واسع عبر الإنترنت؟ بالنسبة لمن يتعرضون للاستهداف، لم يعد هناك فرق يُذكر بين الحالتين. سواء كانت منسقة أم لا، فإن حملات التنمر الجماعي، وتتبع المواقع، والتهديدات بالقتل، تصل جميعها بالطريقة ذاتها. يتتبع هذا التحقيق هذا السؤال عبر شهادة امرأة تعرضت لحملات مشابهة، واستطلاع رأي شمل 18 شخصًا آخر، ونقاش مستمر بين الباحثين حول التسمية المناسبة لما يحدث.
في دراسة بعنوان جذور الكراهية: السرديات والجهات الفاعلة للفاشية والأصولية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، الصادرة عن مؤسسة “نور” في سبتمبر 2024، وجد الباحثون أن فاعلين من الدولة ومن خارجها يوظّفون كراهية النساء، وكراهية المثليين، وكراهية المتحولين جنسيًا، كأدوات لفرض رؤية صارمة “للنقاء” قائمة على حماية “القيم الأسرية”.
هذه السرديات لا تكتفي بالتهميش. فهي تعزز تراتبية اجتماعية يصبح فيها الالتزام بالمعايير الجندرية والجنسية رمزًا للنقاء الوطني والثقافي. وبذلك، فهي تُشرعن العنف – سواء كان بدعم من الدولة أو من جماعات أهلية – ضد كل من يتحدى هذه المعايير القمعية، ما يعزز سلطة المشاريع الفاشية والأصولية أكثر فأكثر.
الفاشية الرقمية
نهى عبير (تُفضّل ضمير “هي”)، شابة مصرية تعرّف نفسها بأنها شمولية الميول الجنسية (بانسكشوال)، لا تزال تتعرض لمستويات مقلقة من التحرش على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب دعمها العلني لمجتمع الميم في مصر. تتلقى يوميًا رسائل وتعليقات تحمل تهديدات بالقتل، وهو مستوى من العداء، بحسب قولها، لم يعد يفاجئها.
تقول: “الهجمات التي تعرضت ولا زلت أتعرض لها هي في الغالب تشهير وإهانات ووصم لأنني كويرية. غالبًا ما تبدو هذه الهجمات كأنها هجمات جماعية منسقة، خصوصًا عندما أجد صوري أو مقاطع الفيديو الشخصية الخاصة بي يتم تداولها بكثافة دفعة واحدة. بعدها أتلقى تعليقات أو منشورات تقول الأشياء نفسها، بعضها من حسابات حديثة الإنشاء لا صور لها ولا أصدقاء.”
حتى موقعها الجغرافي تم اكتشافه، رغم كل إجراءات الحماية الرقمية التي اتخذتها. تتجنب عبير نشر أي معلومات شخصية عن نفسها أو عائلتها أو أصدقائها. لا تنشر صورًا لمعالم قريبة من مكان سكنها، وتنتظر حتى تغادر أي فعالية قبل أن تنشر عنها. ولم يكن أي من ذلك كافيًا.
تراوحت الهجمات بين الإهانات والمطالبة بترحيلها وسحب جنسيتها المصرية.
من بين المهاجمين: صفحة مصرية تُدعى “المجلس القومي للرجال“ ، التي تستهدف بانتظام ناشطات حقوق المرأة والأقليات الجندرية والجنسية، وأخرى بعنوان “ثورة آباء مصر لتغيير قانون الأحوال الشخصية“، والتي وصفتها بـ”العاهرة” و”الفاسقة”.
كما نشر مؤثرون لديهم ملايين المتابعين محتوى فيديو يهاجمها بشكل مباشر.
تعتقد عبير أن جماعات إسلامية قد تكون وراء هذه الحملات المنسقة، بمساعدة مؤثرين محافظين ينتجون محتوى فيديو يحرّض ضدها. تقول: “أساليب المهاجمين أصبحت أكثر عنفًا، لأن الهجمات تزداد وحشية مع مرور الوقت.”
وفقًا لدراسة “جذور الكراهية”، فإن ما تعرضت له عبير يندرج ضمن نمط أوسع: فاعلون أصوليون ومحافظون يمارسون المراقبة والتقييم والعمل المنسق بهدف إسكات فرد من مجتمع الميم. تُسمّي الدراسة هذا النمط “الفاشية الرقمية”.
وكما جاء في الدراسة
“غالبًا ما يتجلى تأطير الحقوق المتعلقة بالجندر والجنسانية باعتبارها فرضًا غربيًا على الثقافات المحلية عبر الخطابات حول الإمبريالية الثقافية و”حماية الأطفال” و”الحفاظ على الأسرة”، مما يستهدف ويمحو نضالات مجتمعات الميم عين في المنطقة. […] إلا أنه يتم التلاعب بها لتعزيز الأجندات المناهضة للحقوق. وتُستخدم هذه الخطابات لإثارة الذعر الأخلاقي وتبرير قمع أفراد مجتمع الميم عين، وتصويرهم على أنهم تهديد لقيم واستقرار المجتمع.”
نتائج مقلقة
لا تتوفر سوى أبحاث محدودة حول حجم العنف الرقمي الذي يتعرض له مجتمع الكوير في مصر. ولسد هذه الفجوة، أجرينا استطلاعًا عبر مجموعات مغلقة وآمنة، مع وعد بالسرية وطلب عدم مشاركة أي معلومات تكشف الهوية.
على مدى ثلاثة أسابيع، ورغم احتمال أن تعيد الأسئلة نفسها إحياء صدمات سابقة لدى المشاركين، استجاب 18 شخصًا. هذه عينة صغيرة واختيارية ذاتيًا، وليست تمثيلية، لكن الأنماط التي تكشف عنها تتسق مع ما يرويه من قابلناهم في مقابلات فردية.
سمحت الأسئلة بأكثر من إجابة. حدد معظم المشاركين هويتهم كمثليين أو مثليات (9)، يليهم من عرّفوا أنفسهم كـ”كويرز” (5) ومتحولين جنسيًا (4)؛ فيما اختار آخرون هويات مزدوجة الميول أو أخرى. فضّل 11 شخصًا ضمير “هي”، و8 أشخاص ضمير “هو”، فيما اختار عدد أقل ضمائر أخرى مثل “هم” أو لم يفضلوا أيًا منها. تراوحت أعمار الغالبية بين 25 و35 عامًا (9)، يليهم من هم بين 35 و45 (6)، ثم من هم بين 18 و25 (3).
حدد جميع المشاركين تقريبًا (17 من أصل 18) فيسبوك كمنصتهم الأكثر استخدامًا، تلته يوتيوب وإنستغرام (10 لكل منهما)، ثم تيليغرام (8).
قال 13 من أصل 18 مشاركًا إنهم لا يعتبرون مواقع التواصل الاجتماعي مساحة آمنة، وهو العدد نفسه لمن تعرضوا فعليًا للعنف الرقمي. أفاد 14 شخصًا بتعرضهم للإساءة أو الإهانة أو التهديد؛ و7 أشخاص بتعرضهم لتحريض جماعي أو حملات منظمة؛ فيما أفاد 5 أشخاص، في كل فئة، بنشر معلوماتهم الشخصية، أو بحملات إبلاغ منسقة لإغلاق حساباتهم، أو بنشر معلومات كاذبة عن جنسيتهم، أو بمحاولات اختراق حساباتهم.
وصف نصف المشاركين العنف الذي تعرضوا له بأنه منسق أو ضمن حملة منظمة، وليس عنفًا عشوائيًا، بينما رأى 5 منهم أنه سلوك فردي. تعرض 12 منهم للاستهداف أكثر من مرة.
يتفاوت الأثر النفسي لكنه يتكرر. غادر بعض المشاركين مصر وانقطعوا عن عائلاتهم. انسحب آخرون من مواقع التواصل الاجتماعي، أو من الناس عمومًا. ووصف كثيرون منهم اكتئابًا وخوفًا دائمًا وفقدانًا للثقة بالآخرين.
كتب أحدهم: “أثّر ذلك بشدة على شعوري بأن وجودي ذاته يشكل خطرًا عليّ، ورغبتي في العزلة عن الناس معظم الوقت.” وكتب آخر: “لا توجد كلمات تصف الألم النفسي.” وقال مشارك ثالث: “تم تشخيصي باضطراب ما بعد الصدمة نتيجة لهذه التجارب.” فيما طلب مشارك آخر دعمًا نفسيًا من عدة منظمات بسبب شعور مستمر بالخوف والقلق.
برزت شهادتان بشكل خاص. قال أحد المشاركين: “عندما خضعت لعملية إعادة تحديد الجنس وانتقلت من منزلي، رآني جيران من حيّي القديم، والتقطوا لي صورًا، وأهانوني في المنطقة. وصل الأمر إلى عائلتي وأثّر فيها بعمق. في الجامعة، ظل الطلاب ينادونني باسمي القديم بصوت عالٍ، وكانوا ينتظرونني عند بوابة الجامعة للتحرش بي.” وقال آخر: “تعرضت للضرب والسحب في مقهى في الشارع لمجرد أنهم عرفوا بميولي الجنسية.”
قبل أسابيع، نشرت عبير صورة لها في مسيرة فخر، تحمل فيها علم قوس قزح. جاء رد الفعل فوريًا: تعليقات، وإعادة نشر، وتهديدات. تقول: “لقد أثّر ذلك عليّ بالفعل، فأنا لا أستطيع نشر صور لي مع أصدقائي أو عائلتي. لم أفكر في الصمت أو الاختفاء من مواقع التواصل الاجتماعي، وإن حدث ذلك، فسيكون بمحض إرادتي، لا بسببهم. أشعر بالغضب، وأحيانًا بالخوف.”
عندما سُئل المشاركون عن أسباب استهدافهم، أشار معظمهم إلى الدين والانحراف المتصور عن المعايير الاجتماعية: “هجوم قائم على المعتقدات الدينية والقيم المجتمعية، إن كانوا يملكونها أصلاً”؛ “لأنني مثلي، وملحد، ومتحول جنسيًا”؛ “الدين والتقاليد”. قال أحد المشاركين بصراحة: “يدّعون أن ذلك يخالف المبادئ الدينية، ومن المعروف مجتمعيًا أن من حقهم الضرب والإهانة واستخدام كل أنواع العنف، حتى لو وجدوني أسير وحدي في الشارع.” فيما ذهب معتدي مشارك آخر إلى أبعد من ذلك، فأنكر عليه حقه في الوجود أصلاً: “رأيه الشخصي هو أنني لا أستحق الوجود.”
تجربة عبير نفسها تعكس النمط ذاته: يهاجم المعتدون عليها ملابسها، وطريقة حديثها، ويتهمونها بالتدخين وشرب الكحول وبأنها “منحرفة وتدعم الانحراف”، على حد تعبيرها.
تعكس البيانات ذلك: حدد 14 مشاركًا أفرادًا محافظين أو تقليديين كمهاجمين لهم، وسمّى 13 منهم متطرفين دينيين، وأشار 10 إلى أصدقاء أو معارف يختلفون معهم في الرأي، فيما سمّى 3 مشاركين فقط جماعات منظمة على منصات مثل فيسبوك أو تيليغرام.
الفاشية الرقمية أم رد فعل جماعي؟
نادرًا ما يُعلن العداء تجاه التنوع الجندري والجنسي عن نفسه عبر الإنترنت في صورة إهانة مباشرة فقط. فوفقًا لدراسة ثقافات اليمين المتطرف الرقمية، ينتشر هذا العداء أيضًا عبر منظومات من المعلومات المضللة، تعيد تصوير الفئة المستهدفة كخطر اجتماعي يستوجب المواجهة. وهذا هو المنطق نفسه الذي أنتج ما يُعرف بـ”اليمين البديل”، الذي يبني مجتمعات رقمية حول السخرية والميمز والنكات التي تُخفي تحتها رسائل عنصرية ومعادية للنساء والمثليين.
في مصر، لهذا النمط اسم: “جهاد الهاهاها”. صاغ هذا المصطلح مدونون ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي كتسمية ساخرة غير أكاديمية، تصف جماعات تتعامل مع منشورات السخرية وردود الفعل الضاحكة كنوع من “المعركة الدينية” ضد من يعبّرون عن هويتهم كأفراد من مجتمع الميم أو يدعمونها.
هذا النمط يتسق مع نمط اليمين المتطرف عمومًا: نكتة، رد فعل ضاحك، ميم، تعليق ساخر، أو منشور “تروّل”، يتصلّب تدريجيًا ليتحول إلى خطاب كراهية منظم.
لكن ليس الجميع يتفق على أن هذه الهجمات ترقى إلى حملة منظمة. تقول نورا نورالله (تُفضّل ضمير “هي”)، مديرة مركز القاهرة 52 لقضايا النوع الاجتماعي ومجتمع الميم، إنه لا توجد زيادة حقيقية في الهجمات على أفراد مجتمع الميم في مصر، ولا توجد جماعة منظمة وراءها.
وترى أن تأطير الأمر على هذا النحو يخلق انطباعًا بأن أفراد مجتمع الميم هم الضحايا الوحيدون، بينما ما تغيّر فعليًا هو أن مواقع التواصل الاجتماعي المصرية باتت تشهد نقاشًا وتفاعلاً أكبر من أي وقت مضى، من كل الأنواع. وتقول إن بعض النشطاء الكويريين الذين يتبنون مواقف علنية مثيرة للجدل يجذبون بشكل طبيعي تهديدات وعداءً، وإنه لا يمكن فصل أفراد مجتمع الميم عن سياق مصري محافظ يتعامل مع أي خطاب غير متوافق معه باعتباره هجومًا عليه.
وتشير إلى أن هذا الارتفاع في العداء الرقمي يطال فئات مختلفة حول العالم، وليس في مصر فقط، بمن في ذلك أشخاص لا علاقة لهم بالعمل الحقوقي: نساء يُوصمن بـ“النواشز“، ورجال يُوصمون بـ”الديوثيون”، ومثليون يُوصمون بشتيمة “الخولات”. كما تشير إلى أن تخفيف “ميتا” لسياسات الإشراف على المحتوى سهّل على أي شخص قول أي شيء، سواء كان عدائيًا أم لا، وتنصح من يريدون تجنب التحرش بتقييد حساباتهم على الأصدقاء فقط.
هذا يتناقض بشكل غير مريح مع ما توصل إليه استطلاعنا: فقد وصف نصف المشاركين العنف الذي تعرضوا له بأنه منسق وليس عشوائيًا، وشهادة عبير عن حملات تنمر جماعي متزامنة من حسابات حديثة الإنشاء لا تاريخ لها تشير إلى الاتجاه نفسه. قد تصح قراءة نورالله – “نقاش أكبر، لا خطر أكبر” – على مستوى المنصة، لكنها قد لا تصح على المستوى الفردي.
وتدحض أبحاث أخرى هذه الفرضية بشكل أكثر مباشرة: تجادل دراسة ثقافات اليمين المتطرف الرقمية بأن الكراهية الرقمية لا تظهر تلقائيًا، بل تُنتَج عبر شبكات سياسية وإعلامية تصنع سرديات التهديد والخوف، ثم تعيد تدويرها حتى تتحول إلى مواقف اجتماعية راسخة، وأحيانًا إلى عنف حقيقي.
يقدم كتاب ستانلي كوهين الشياطين الشعبية والذعر الأخلاقي تسمية لما ينتج عن هذه العملية. يُعرّف كوهين “الذعر الأخلاقي” بأنه موقف أو حدث أو جماعة يُنظر إليها كتهديد للقيم والمصالح المجتمعية؛ وتتحول الفئة المستهدفة إلى “شيطان شعبي” – رمز يُسقَط عليه القلق الاجتماعي، ويمثل كل ما قرر المجتمع رفضه. يذوب الأفراد في صورة نمطية مسطّحة، مفيدة تحديدًا لأنه يمكن تعبئة الناس ضدها.
من هذا المنظور، يُعد العنف الرقمي حلقة واحدة في سلسلة أطول، تبدأ كخطاب كراهية على الإنترنت، وتمتد إلى ما هو أبعد من الشاشة لتصل إلى عواقب اجتماعية وقانونية. وهو جزء من نمط أوسع للفاشية المعاصرة، لا يعمل فقط عبر أنظمة قمعية علنية تابعة للدولة، بل عبر ممارسات يومية – دينية وأخلاقية وتقنية – تعيد إنتاج السيطرة بهدوء. العنف ضد مجتمع الميم، في هذا الإطار، ليس مجرد نتيجة عرضية للتحيز الاجتماعي. إنه أداة: جزء من مشروع أكبر لإعادة تشكيل الحياة العامة حول منطق الإقصاء والهيمنة.
إيناس كمال
صحفية مصرية حائزة على جوائز بخبرة تزيد عن 15 سنة، متخصصة في قضايا النوع الاجتماعي.

